من المسؤول عن السماح للشاحنات بتجاوز القوافل.. وماذا عن الصيانة؟
مقترحات لا ترى النور لتجنيب منطقة المصنع الحدودية الحوادث المميتة
سامر الحسيني - السفير
المصنع :
يتحدث الكثير من العابرين على الطريق الدولية في نقطة المصنع عند الحدود اللبنانية – السورية عن الموت المتربص ابدا في المنطقة التي باتت العنوان الاول للموت السريع والخاطف للكثير من قاصدي لبنان.
ويصف لبنانيون وعرب الخارج من المصنع ومحيطه بـ«المولود المحظوظ الذي كتب له عمر جديد، وقيض له القدر ان يعبر بسلام». وعليه، فإن أول عمل يقوم به العابر بـ«السلامة» هو الاتصال بالأهل والأقارب ليبشرهم بخروجه معافى من حرم مركز الأمن العام، الذي يشكل النقطة الأخيرة على الحدود.
وكرست تجارب مريرة عديدة الإحساس بخطورة عبور منطقة المصنع نتجت من جملة من الحوادث المأساوية المميتة من جهة ونظراً إلى البنى التحتية للمنطقة والنواقص التي تزيد سوء الأحوال. وتفتقد منطقة المصنع إلى الطريق الآمنة والسليمة، فلا الطريق مستقيمة، حتى انه يمكن القول إنها غير صالحة لتؤدي دور الطريق الدولية فقط، بل انها لا تتمتع بمواصفات الشارع الداخلي في بعض القرى. وأقل ما يمكن الحديث عنه هو افتقارها للإنارة والإشارات الضوئية والتوسيع.
ويرفع من معدل الخطورة وخوف العابرين في منطقة المصنع امتدادها على مسافة لا تقل عن عشرة كيلومترات إذ تبدأ من نقطة جديدة يابوس على الحدود السورية وصولا إلى الحدود الرسمية اللبنانية على تخوم مجدل عنجر.
ويمكن العابر على الحدود من الجهتين أن يسمع الأحاديث والأخبار عن قصص عائلات خططت لرحلات كانت مقررة للاصطياف، فتحولت بلمح البصر إلى فواجع. وتتصدر الشاحنات بمكابحها المعطلة وحمولتها الزائدة وغياب الصيانة والمراقبة بطولة السيناريوهات المأساوية. فمن هنا اجتاحت شاحنة عدداً من السيارات لتقضي على حياة ركابها، ومن هناك حوادث سيارات ليلية تفرض الموت السريع في تكرار لا ينتهي، هذا ولم نتحدث عن حوادث الحافلات. أما قصة القصص فعندما يشتعل صهريج من هنا أو ينفجر آخر من هناك ليحرق الأخضر واليابس من حوله، وهو ما سبق وشهدته المنطقة.
تزخر ذاكرة العابرين في منطقة المصنع بالكثير من المآسي والمشاهد الدموية، ولكنها ذكريات لا تهز أحداً من المسؤولين أو تحرك أي من الأجهزة الرسمية والوزارية لوضع حد لكل ما يحصل، أو التخفيف منه في أسوأ الحالات.
وأعاد الحادث الأخير الذي ذهب ضحيته المواطن السعودي علي بن عمران بن علي التريمي، إلقاء الضوء على الطريق الدولية والإجراءات الإدارية والعسكرية فيها بدءا من قافلة الشاحنات شبه الثابتة في المكان والتي تمتد من الساحة الجمركية السورية في جديدة يابوس الى مثيلتها في المصنع اللبناني، انتهاءً بالخروج من الساحة الجمركية.
وبعد كل حادث تنطلق الأفكار، ويبتدع هذا الجهاز أو ذاك حلا هو عبارة عن مقترحات لا تصمد سوى لأيام مع تكرار حوادث الانزلاق وبعض الإهمال على المستويات كافة في ظل غياب الرقابة، وحتى انعدامها على الشاحنات الداخلة الى لبنان.
مقترحات في مهب الريح
ويمكن التذكير على سبيل المثال لا الحصر بالاقتراح الذي تقدم به أحد الأجهزة الإدارية في المصنع على اثر حادث سير منذ سنوات، ويقضي بإقامة مسارب طارئة للشاحنات هي عبارة عن طرق فرعية أنشئت على جوانب الطريق الدولية على خط الداخلين الى لبنان. وخصصت المسارب للطوارئ، ولكن هذا الحل لم يكتب له النجاح والصمود، فاقترحت قيادة قوى الامن الداخلي في العام 2004 تنظيم موكب الشاحنات الداخلة الى لبنان ومواكبتها بدورية عسكرية تسير في مقدم الموكب لتمنع التجاوز إلا ان الامر نفسه لم يوقف حوادث السير.
وتمثلت آخر الحلول المبتدعة بإنشاء طريق خاص للشاحنات وفصل خط سير الشاحنات عن خط سير السيارات السياحية، وهنا كانت الطامة الكبرى حيث لم يلتزم سائقو الشاحنات بالخط المخصص لسيرهم، في ظل تساهل في التطبيق من قبل عناصر قوى الامن الداخلي المولجين ضبط السير في منطقة المصنع.
ويتحدث بعض السائقين عن تسهيلات «مدفوعة الأجر» يدفعها بعض السائقين ومعقبي معاملاتهم الجمركية من أجل الخروج من جحيم الطريق الدولية التي تشكل «سجنا إلزاميا ومؤقتا لمئات من السائقين»، وفق ما يقول أحدهم، مشيراً إلى أن الأوضاع غير الطبيعية محصورة فقط عند الحدود اللبنانية – السورية لجهة منطقة المصنع اللبنانية.
وغالباً ما تقع الحوادث بعد أن يقوم أحد سائقي الشاحنات بتجاوز موكب وقافلة زملائه بعد أن يكون قد تكفل بـ«إرضاء» بعض العناصر الأمنية المولجة بضبط خط السير. وغالبا ما تنتهي العملية بحادث سير نتيجة تعطل المكابح أو السرعة الزائدة من اجل الوصول الى الساحة الجمركية للتخلص من أيام الانتظار الطويلة.
ويسرد بعض السائقين روايات وحكايات عن قضائهم خمسة عشر يوما وأكثر على الطريق الدولية، وفي حرم الساحة الجمركية إلى حين صدور تقرير من بيروت عبر وزارة الزراعة أو الصناعة أو الاقتصاد (وفق الاختصاص)، فيفرج عن الشاحنة بعد تغريم سائقها عن مدة احتجازها من قبل الدوائر الجمركية التي حجزتها.
ويرد عابرو المصنع وفعاليات المنطقة ما يحصل على الحدود إلى العوائق الإدارية واللوجستية في المنطقة الحدودية، غامزين إلى مسؤولية الأجهزة الإدارية والوزارية والأمنية والعسكرية كافة. ومنها أجهزة وزارات الزراعة والصناعة والاقتصاد وإدارة الجمارك وقوى الأمن الداخلي التي لا يتشدد عناصرها في منع اختراق وعدم احترام الاجراءات الادارية، وخط السير المرسوم للشاحنات، والمفصول عن خط سير السيارات السياحية العمومية والخصوصية.
ويمكن ذكر ما يحصل في سوريا كمثل على ضبط المخالفات، إذ تغرم الشاحنة التي تخرج عن موكبها بمئة الف ليرة سورية، ولكن على نقطة الحدود مع لبنان يمكن أن يدفع بعض السائقين عشرين ألف ليرة لبنانية ليتاح له تجاوز رتل من الشاحنات للوصول الى الساحة الجمركية. «وغالبا ما تنتهي عملية التجاوز بانحراف الشاحنة وتسببها بحادث سير دموي من دون أن يكلف احد نفسه فتح تحقيق جدي في كيفية حصول الحادث والمتسبب به»، وفق ما يؤكده احد السائقين ويوافق عليه زملاؤه.
وتطرح الوقائع اليومية التي تحصل على الطريق الدولية تساؤلا عن دور الاجهزة الرقابية المطلوبة في المنطقة والتي تفتقر إلى مركز للصيانة وإلى آليات للكشف الاولي على سلامة مكابح الشاحنة كما يحصل في أي بلد في العالم. ويمكن المراقبة، إذا أظهر الكشف الميكانيكي عطلاً في المكابح، ان تمنع دخول الشاحنة قبل صيانتها، وهذا ليس متوافراً في لبنان، كما انه مطلوب التشدد في تطبيق قرار فصل خط سير الشاحنات عن خط سير السيارات السياحية.
وضع منشآت المصنع
ولا يمكن حصر المشاكل في منطقة المصنع، إذ تكفي جولة واحدة على مراكز الامن العام والجمارك، لرسم مشهد يصفه بعض العابرين، بأكثر من كارثي ومأساوي.
فصالة الأمن العام المخصصة لإنجاز معاملات الدخول الى لبنان لا تتسع لأكثر من عشرين شخصا، فيما مطلوب منها أن تنجز معاملات أكثر من خمسة عشر مسافراً في اليوم الواحد، مما يفسر طوابير المسافرين المنتظرين عند ابواب الامن العام وساحة السيارات، عدا حاجة المنطقة إلى مراحيض والى مرافق للاستراحة، والى أكشاك للهواتف.
وتفتقد هذه المنطقة الحدودية صالة انتظار أو استقبال رسمية حيث تحول مكتب رئيس دائرة الامن العام في المصنع، إلى صالة استقبال علما انه لا يتسع لاكثر من عشرة اشخاص.
ويصف رئيس بلدية مجدل عنجر سامي العجمي النقطة الحدودية في المصنع بـ«بوابة الشرق»، مطالباً بالاسراع بتجهيزها بالمختبرات والمراكز التابعة للوزارات المعنية كافة، للسماح بدخول الشاحنات الى لبنان للتسريع بخروجها بأقصى سرعة من الساحة الجمركية.
في الوقت نفسه، يطالب العجمي بفصل خط سير الشاحنات عن خط سير السيارات بدءا من بداية الحدود السورية وصولا الى الساحة الجمركية في المصنع وليس كما هي الحال بدءا من منتصف الطريق الدولية.
كما يذكِّر رئيس بلدية مجدل العنجر بإعادة السماح للبلدية باستيفاء الرسم المالي على الشاحنات الخارجة من الساحة الجمركية تحت اسم «رسم المرور العابر»، والمفروض بناء على قانون مصدق من مجلس النواب. ويشير العجمي إلى أن وزارة المالية، وإبان استلام الرئيس فؤاد السنيورة، ألغته واستبدلته بمبلغ مالي سنوي مقطوع قيمته خمسون مليون ليرة.
قبل قرار منع استيفاء المرسوم كان جابي البلدية يقتطع مبلغا قدره خمسة آلاف ليرة عن كل شاحنة خارجة، ويحول المبلغ المستحق إلى الصندوق البلدي للمجدل حيث يستخدم في تحسين خدمات البنى التحتية لمنطقة المصنع من التنظيف الى صيانة الانارة واقامة مراحيض وتنظيفها.